محمد بن وليد الطرطوشي
278
سراج الملوك
وروي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم مر على امرأة تبكي عند قبر فقال لها : اتقي الله واصبري ، فقالت : إليك عني ، فإنك لم تصب بمثل مصيبتي ، فلما قيل لها : هذا رسول الله ، جاءت إليه تعتذر أنها لم تعرفه ، وقالت : سأصبر ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إنما الصبر عند الصدمة الأولى » « 1 » ويحتمل هذا الحديث وجهين : أما الخطابي « 2 » : فقال : معناه أن الصبر المحمود عند أوّل نزول المصيبة ، وقد فاتك بالجزع . وأما القابسي « 3 » فقال : معناه أن الصدمة الأولى ، وقّت أمرها النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بالصبر ، وكان هذا تعليما لكل من فاته الصبر بذهول أو نسيان أو غلبه . ويروى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، سئل عن الإيمان فقال : « الصبر والسماحة » « 4 » . وفي منثور الحكم قالت الصّحة : أنا لاحقة بأرض المغرب ، قال الجوع : وأنا معك . قال الإيمان : أنا لاحق بأرض الحجاز ، قال الصبر : أنا معك . قال الملك : أنا لاحق بأرض العراق ، قال الفتك « 5 » : أنا معك . وأعلم أن العجلة خرق « 6 » ومخرجها من قلّة العقل ، وأخرق من ذلك التفريط في الأمر بعد القدرة ، ومثل ذلك كالقدر على النار ، إن كان ماؤه قليلا غلت بيسير من النار ، وإن كانت مملوءة لم تغل حتى تكثر نارها وتطول مدّتها .
--> ( 1 ) الحديث متفق على صحته ، رواه البخاري في الجنائز وفي الأحكام ورواه مسلم في الجنائز . باب في الصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى والإمام أحمد في مسنده 3 / 143 وقال البغوي : أي عند فورة المصيبة وحموتها ( شرح السنة - البغوي ج 5 / 47 ) . ( 2 ) في ( خ ) الطائي ، وفي ( ط ) الطابنى ( خطأ ) ، حيث أن هذا القول منسوب في فتح الباري إلى الخطّابى وهو الفقيه والمحدث حمد بن محمد بن إبراهيم أبو سليمان الخطابي المتوفى سنة 388 ه ( فتح الباري شرح صحيح البخاري 3 / 149 ، 150 ) . ( 3 ) أبو الحسن علي بن محمد القابسى المالكي صاحب كتاب « الملخص » عالم المالكية بإفريقية في عصره ، والقابسى نسبة إلى قابس القريبة من القيروان في تونس ، وتوفى سنة 403 ه ، ( الأعلام 4 / 326 ) . ( 4 ) الحديث : رواه أبو يعلى في مسنده والطبراني في الكبير في مكارم الأخلاق عن جابر ( كنز العمال ج 1 / 57 ) . ( 5 ) الفتك : القتل . ( 6 ) الخرق : الجهل والحمق وضعف الرأي .